القرطبي
55
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الرابعة عشرة - ويستحب إلا يذبح إلا من ترضى حاله ، وكل من أطاقه وجاء به على سنته من ذكر أو أنثى بالغ أو غير بالغ جاز ذبحه إذا كان مسلما أو كتابيا ، وذبح المسلم أفضل من ذبح الكتابي ، ولا يذبح نسكا إلا مسلم ، فإن ذبح النسك كتابي فقد اختلف فيه ، ولا يجوز في تحصيل المذهب ، وقد أجازه أشهب . الخامسة عشرة - وما استوحش من الانسي لم يجز في ذكاته إلا ما يجوز في ذكاة الانسي ، في قول مالك وأصحابه وربيعة والليث بن سعد ، وكذلك المتردي في البئر لا تكون الذكاة فيه إلا فيما بين الحلق واللبة على سنة الذكاة . وقد خالف في هاتين المسألتين بعض أهل المدينة وغيرهم ، وفي الباب حديث رافع بن خديج وقد تقدم ، وتمامه بعد قوله : ( فمدى الحبشة ) قال : وأصبنا نهب إبل وغنم فند منها بعير فرماه رجل بسهم فحبسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لهذه الإبل أوابد ( 1 ) كأوابد الوحش فإذا غلبكم منها شئ فافعلوا به هكذا - وفي رواية - فكلوه ) . وبه قال أبو حنيفة والشافعي ، قال الشافعي : تسليط النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل دليل على أنه ذكاة ، وأحتج بما رواه أبو داود والترمذي عن أبي العشراء عن أبيه قال : قلت يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة ؟ قال : ( لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك ) . قال يزيد بن هارون : وهو حديث صحيح أعجب أحمد بن حنبل ورواه عن ( 2 ) أبي داود ، وأشار على من دخل عليه من الحفاظ أن يكتبه . قال أبو داود : لا يصلح هذا إلا في المتردية والمستوحش . وقد حمل ابن حبيب هذا الحديث على ما سقط في مهواة فلا يوصل إلى ذكاته إلا بالطعن في غير موضع الذكاة ، وهو قول أنفرد به عن مالك وأصحابه . قال أبو عمر : قول الشافعي أظهر في أهل العلم ، وأنه يؤكل بما يؤكل به الوحشي ، لحديث رافع بن خديج ، وهو قول ابن عباس وابن مسعود ، ومن جهة القياس لما كان الوحشي إذا قدر عليه لم يحل إلا بما يحل به الانسي ، لأنه صار مقدورا عليه ، فكذلك ينبغي في القياس إذا توحش أو صار في معنى الوحشي من الامتناع أن يحل بما يحل به الوحشي .
--> ( 1 ) الأوابد ( جمع آبدة ) : وهي التي قد توحشت ونفرت من الإنسي . ( 2 ) في ز : رواه أبو داود . لكن في التهذيب : قال أبو داود سمعه منى أحمد بن حنبل .